الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
40
مختصر الامثل
وكذلك الجلد ، بل وحتى الأرض التي أطاع الإنسان عليها أو عصى ، كلها ستشهد عليه ، بل ويزاد على عدم السماح لهم بالكلام ب « وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ » . لأنّ هناك محل مواجهة نتائج الأعمال وليس يوم العمل والإصلاح . وتشرح الآية التالية حال الظالمين بعد انتهاء مرحلة حسابهم ودخولهم في العذاب ، وكيف أنّهم يطلبون تخفيف شدة العذاب تارةً ، ويطلبون إمهالهم مدّة تارةً أخرى ، فتقول : « وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ » . وفي الآية التالية يستمر الحديث عن عاقبة المشركين ، وكيف أنّهم سيحشرون في جهنم مع ما أشركوا من معبوداتهم الحجرية والبشرية ، فتقول الآية المباركة واصفة حالهم : « وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ » ، فهذه المعبودات هي التي وسوست لنا للوقوع في درَك العمل القبيح ، وهي شريكتنا في الجرم أيضاً ، فارفع عنّا بعض العذاب واجعله لها . وعندها . . . تبدأ تلك الأصنام بالتكلم ( بإذن اللَّه ) : « فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ » ، فلم نكن شركاء للَّه ، ومهما وسوسنا لكم فلا نستحق حمل بعض أوزاركم . وتأتي الآية التالية لتبين أنّ الجميع بعد أن يقولوا كل ما عندهم ، ويسمعوا جواب قولهم ، سيتوجهون إلى حالة أخرى . . . « وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ » مسلمين للَّه ، مذعنين لعظمته جلّ وعلا ، لأنّ غرور وتعصب الجاهلين قد أزيل برؤية الحق الذي لا مفرّ من تصديقه والإذعان إليه . وفي هذه الأثناء ، وحيث كل شيء جليّ كوضوح الشمس . . « وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ » . فتبطل كذبتهم بوجود شريك للَّه ، وكذلك يبطل ادعاؤهم بشفاعة الأصنام لهم عند اللَّه ، عندما يلمسون عدم قدرة الأصنام للقيام بأيّ عمل ، بل ويرونها محشورة معهم في نار جهنم . وبهذا المقدار من الآيات كان الحديث منصبّاً حول انحراف المشركين الضالين وغرقهم في درك الشرك ، دون أن يدعوا الآخرين إلى ما هم فيه . . وبعد ذلك ينتقل القرآن الكريم إلى الكافرين من الذين لم يكتفوا بأن يكونوا كافرين ، وإنّما كانوا يبذلون أقصى جهودهم لإضلال الآخرين ! فيقول : « الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ » .